الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
56
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
على التقريع ، ولا يتغاضون عن التعجيز ، وعاداتهم معروفة إلى الافتخار ، وتحدّى بعضهم لبعض بالخطب والأشعار ، وفي انصرافهم عن المعارضة دلالة على انّها كانت متعذرة عليهم ، وفي التجائهم إلى الحروب الشاقة دونها بيان انّها الأيسر عندهم وأي عاقل يطلب أمرا بما فيه هلاك ماله والتغرير بنفسه ، وهو يقدر على كلام يغنيه بذلك ، وينال به أمله ومراده فلا يفعله ، هذا ما لا يتصور في العقل ولا يتثبت في الوهم ، وفي عجزهم الذي ذكرناه حجّة في معجز القرآن في صحّة نبّوة نبينا . « وينابيع العلم وبحوره » . . . ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ . . . ( 1 ) . . . وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 2 ) . قال الكراجكي : ومن اعجاز القرآن ، ما تضمنه من أخبار الدهور الماضية ، وأحوال القرون الخالية ، وأنباء الأُمم الغابرة ، ووصف الديار الداثرة ، وقصص الأنبياء المتقدمين ، وشرح أحكام أهل الكتابين . ممّا لا يقدر عليه إلّا من اختص بهم ، وانقطع إلى الاطّلاع في كتبهم ، وسافر في لقاء علمائهم وصحب رؤساءهم ، ولمّا كان نبينا صلّى اللّه عليه وآله معلوم المولد والدار والمنشأ والقرار لا تخفى أحواله ، ولا تستتر أفعاله ، لم يلف قط قبل بعثته مدارسا لكتاب ، ولا رؤى مخالطا لأهل الكتاب ، ولم يزل معروفا بالانفراد عنهم ، غير مختص بأحد منهم ، ولا سافر لاتباع عالم سرّا ولا جهرا ، ولا احتمال في نيل ذلك أوّلا ولا آخرا ، علم انهّ لم يأخذ ذلك إلّا عن ربّ العالمين ، وثبت اعجاز القرآن الوارد على يده وكان قوله تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ
--> ( 1 ) الانعام : 38 . ( 2 ) الانعام : 59 .